ابن هشام الأنصاري
32
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ) إذ ليس المراد بالانطلاق المشي ، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام ، كما أنه ليس المراد بالمشي المشي المتعارف ، بل الاستمرار على الشئ . وزعم الزمخشري أنّ التي في قوله تعالى : ( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) مفسرة ، وردّه أبو عبد اللّه الرازي بأنّ قبله ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) والوحي هنا إلهام باتفاق ، وليس في الإلهام معنى القول ، قال : وإنما هي مصدرية ، أي باتخاذ الجبال بيوتا . والرابع : أن لا يكون في الجملة السابقة أحرف القول ؛ فلا يقال « قلت له أن أفعل » وفي شرح الجمل الصغير لابن عصفور أنها قد تكون مفسّرة بعد صريح القول ، وذكر الزمخشري في قوله تعالى ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) أنه يجوز أن تكون مفسرة للقول على تأويله بالأمر ، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ، وهو حسن ، وعلى هذا فيقال في هذا الضابط : أن لا يكون فيها حروف القول إلا والقول مؤوّل بغيره ، ولا يجوز في الآية أن تكون مفسرة لأمرتنى ؛ لأنه لا يصح أن يكون ( اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) مقولا للّه تعالى ؛ فلا يصح أن يكون تفسيرا لأمره ؛ لأن المفسّر عين تفسيره ، ولا أن تكون مصدرية وهي وصلتها عطف بيان على الهاء في به ، ولا بدلا من ما ، أما الأول فلأن عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقات ، فكما أن الضمير لا ينعت كذلك لا يعطف عليه عطف بيان ، ووهم الزمخشري فأجاز ذلك ذهولا عن هذه النكتة ، وممن نص عليها من المتأخرين أبو محمد بن السيّد وابن مالك ، والقياس معهما في ذلك ، وأما الثاني فلأن العبادة لا يعمل فيها فعل القول ، نعم إن أوّل القول بالأمر كما فعل الزمخشري في وجه التفسيرية جاز ، ولكنه قد فاته هذا الوجه هنا فأطلق المنع . فإن قيل : لعل امتناعه من إجازته لأن « أمر » لا يتعدّى بنفسه إلى الشئ المأمور به إلا قليلا ؛ فكذا ما أول به .